فى خطوة مهمة نحو تعزيز قدرة مصر على توليد الطاقة المتجددة، أعلنت الحكومة المصرية أخيرا الكشف عن أكبر مشروع لطاقة الرياح فى قارة إفريقيا، ذلك المشروع الضخم يأتى فى إطار التزام مصر المتزايد، بالتحول إلى مصادر طاقة نظيفة ومستدامة، وهو جزء من إستراتيجية الدولة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفورى، من خلال الاعتماد على طاقة الرياح والشمس بشكل أكبر.
المشروع يتم تنفيذه فى منطقة خليج السويس، ويعتبر نقلة نوعية فى تاريخ الطاقة المتجددة فى مصر، حيث يهدف إلى بناء مزرعتين للرياح، تبلغ قدرتهما 550 ميجاوات، بسعة إجمالية تصل إلى 1.1 جيجاوات. ومن المتوقع أن يوفر المشروع الطاقة لأكثر من مليون منزل، مما سيكون له تأثير كبير على تحسين مستوى الطاقة فى البلاد، وعلاوة على ذلك، فإن المشروع سيسهم فى تقليل انبعاثات الكربون بنحو 2.5 مليون طن سنويًا، وهو ما يعد خطوة مهمة نحو تعزيز جهود مصر فى مواجهة التغيرات المناخية.
تتبنى مصر إستراتيجية للطاقة المتكاملة والمستدامة، تهدف إلى زيادة نسبة مشاركة الطاقة المتجددة فى مزيج الطاقة الوطنى، حيث تسعى الإستراتيجية للوصول إلى 42%، من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، مع التطلع للوصول إلى أكثر من 60%، بحلول عام 2040، وفيما يتعلق بالخطوات العملية لتحقيق هذه الأهداف، أوضح تقرير صادر عن مركز المعلومات لمجلس الوزراء، أن إجمالى القدرات المركبة للطاقة المتجددة من مصادر الرياح، الشمس، والمياه التى تم تشغيلها أو تحت الإنشاء أو فى مرحلة إنهاء التعاقدات بلغ نحو 22.8 جيجاوات.
كما أظهرت نسبة زيادة القدرات المركبة للطاقة المتجددة (شمسى، مائى، رياح) نموًا ملحوظًا بنسبة 110.1%، حيث ارتفعت من 3490 ميجاوات فى عام 2013/2014 إلى 7331، ميجاوات فى أكتوبر 2024، ومن المتوقع أن يصل إجمالى القدرات إلى 10000 ميجاوات بنهاية عام 2025.
وفى إطار هذه الجهود، تعتزم الحكومة المصرية إضافة 18.570 ألف ميجاوات من الطاقة الجديدة والمتجددة، خلال الفترة من عام 2024 حتى عام 2030، وفقًا لبيانات هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة المصرية ويمثل القطاع الخاص فى مصر دورًا بارزًا فى هذا المجال، حيث يعمل على بناء وتطوير مشروعات طاقة جديدة ومتجددة بقدرات 18.550 ألف ميجاوات، بينما تعمل الحكومة على تطوير مشروعات بقدرات 0.02 ميجاوات، كما يعمل القطاع الخاص على بناء مشروعات طاقة الرياح بقدرات 12.750 ألف ميجاوات حتى عام 2030.
الطاقة المتجددة
تسعى مصر من خلال هذا المشروع، إلى تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية مثل الفحم والغاز الطبيعى، والاستفادة بشكل أكبر من مصادر الطاقة النظيفة مثل الرياح والشمس، ويرتكز هذا التوجه على إستراتيجيات طويلة الأجل، تسعى إلى تعزيز القدرات المحلية فى مجال الطاقة المتجددة، بهدف توفير طاقة نظيفة ومستدامة للأجيال المقبلة. ويعد مشروع الرياح فى خليج السويس، جزءًا من خطة مصر الطموحة التى تهدف إلى توليد 10 جيجاوات، من الطاقة المتجددة بحلول عام 2028، بحسب تقارير حكومية رسمية صادرة عن وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة فى مصر.
ولتحقيق هذا الهدف، تعمل الحكومة المصرية على بناء المزيد من المشروعات المتجددة سواء فى طاقة الرياح أم الطاقة الشمسية، ليكون ذلك جزءًا من رؤية مصر 2030، التى تهدف إلى تحسين كفاءة الطاقة وتعزيز استدامتها.
من جانبه أكد أحمد خطاب، الخبير الاقتصادى، أن العالم يراهن بشكل متزايد على الطاقة المتجددة، باعتبارها هى الحل المستقبلى لمواجهة التحديات البيئية والاقتصادية، خصوصًا فى ظل مساعى تقليل انبعاثات ثانى أكسيد الكربون ومعالجة ظاهرة الاحتباس الحرارى، ويعدّ الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بالإضافة إلى الابتكارات الحديثة مثل الأمونيا الخضراء والهيدروجين الأخضر، من أهم الخطوات التى يركز عليها العالم لتحقيق أهداف الاستدامة البيئية، وفى هذا السياق أطلقت مصر عددًا من المشروعات الطموح فى مجال الطاقة الصديقة للبيئة، حيث تعمل على تطوير مشاريع الأمونيا الخضراء والهيدروجين الأخضر، التى تمثل إحدى أولويات الدولة فى تحولها نحو الاقتصاد الأخضر، وتعد هذه المشاريع جزءًا من إستراتيجية مصر لتعزيز القدرة على توليد الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفورى.
كما تتعاون مصر مع مؤسسات دولية، مثل البنك الدولى، الذى يعتبر شريكًا رئيسيًا فى تمويل المشروعات الصديقة للبيئة، فعلى سبيل المثال، تم تمويل مشاريع مثل محطات فى سيوة ونوبيع، فى إطار شراكة مع البنك الدولى، مع توفير تمويل ميسر بأقساط مريحة، وتسهم هذه المشروعات فى تسريع التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون فى مصر.
ويرى أحمد خطاب الخبير الاقتصادى، أن طاقة الرياح تمثل واحدة من أهم مصادر الطاقة المتجددة فى المستقبل، ومع ذلك، فإن أحد التحديات التى تواجهها هذه الطاقة هو تقلبات الرياح، مما يجعل من الضرورى دمجها مع طاقة الشمس لتكوين مصدر ثابت وموثوق للطاقة، كما أن تكلفة تخزين الكهرباء، التى تعد أحد المعوقات الرئيسية أمام استخدام الطاقة المتجددة على نطاق واسع، ما زالت مرتفعة وتحتاج إلى حلول تكنولوجية مبتكرة لتخفيض هذه التكاليف، وعلى الرغم من هذه التحديات، تؤكد الحكومة المصرية عزمها على المضى قدمًا فى خططها الطموح لتعزيز الاعتماد على الطاقة المتجددة، بالنظر إلى العمر الافتراضى الطويل لهذه المصادر، مما يجعلها خيارًا مستدامًا على المدى البعيد.
تعاون دولى
فى سياق هذا المشروع الكبير، يشارك صندوق أوبك للتنمية الدولية فى تمويل ذلك المشروع الطموح، حيث يسهم الصندوق بمبلغ 30 مليون دولار فى بناء مزرعتى الرياح فى خليج السويس، وتعتبر هذه المساهمة بمثابة دعم قوى يعكس التزام الصندوق، بتعزيز التنمية المستدامة والتحول فى مجال الطاقة فى مصر، وهو ما أشار إليه عبد الحميد الخليفة، مدير عام “صندوق الأوبك”، قائلا: إن هذا المشروع يعد مثالًا ممتازًا على قدرة الشراكات الدولية فى دعم العمل المناخى، وتقديم حلول التنمية المستدامة، كما أن هذا المشروع يعكس التزام الصندوق بمواصلة دعم مصر فى خططها نحو تنمية مصادر الطاقة المتجددة، بما يتماشى مع التوجهات العالمية للتقليل من الاعتماد على الطاقة التقليدية.
وتعد مصر شريكًا إستراتيجيًا للصندوق منذ تأسيسه فى عام 1976، حيث قام الصندوق بتقديم أكثر من 1.3 مليار دولار لتمويل أكثر من 85 مشروعًا حتى الآن.
كما يتبنى الصندوق، تمويل مشروع مزرعتى الرياح فى خليج السويس أكبر مشروعات طاقة الرياح فى إفريقيا، مجموعة من المؤسسات المالية الدولية الرائدة، و يشمل الشركاء الممولين لهذا المشروع البنك الأوروبى لإعادة الإعمار والتنمية، البنك الإفريقى للتنمية، المؤسسة البريطانية للاستثمار الدولى، الوكالة الألمانية للاستثمار والتنمية، وصندوق الطاقة العربى، وشارك فى التمويل أيضًا البنك العربى وبنك “ستاندرد تشارترد”، من خلال قرض مشترك تم ترتيبه بواسطة البنك الأوروبى لإعادة الإعمار والتنمية، وتبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع أكثر من مليار دولار، ما يعكس التزام هذه المؤسسات المالية بدعم مشاريع الطاقة المتجددة فى منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.
مزايا اقتصادية
بخلاف تأثيره الكبير فى مجال البيئة، يقدم المشروع مزايا اقتصادية ضخمة، من أبرز هذه الفوائد هو توفير الطاقة لأكثر من مليون منزل، مما يسهم فى تحسين الحياة اليومية للمواطنين، وتوفير الكهرباء لمجموعة كبيرة من المناطق السكنية والصناعية، وفى هذا السياق يقول محمد عبد الهادى، الخبير الاقتصادى، إن مشروع طاقة الرياح فى مصر، من أبرز وأهم المشروعات فى مجال الطاقة المتجددة فى المنطقة، ومن المتوقع أن يحقق العديد من المزايا الاقتصادية التى تعود بالنفع على الاقتصاد المصرى، حيث يسهم المشروع فى تعزيز أمن الطاقة من خلال تقليل الاعتماد على الوقود الأحفورى المستورد، مما يسهم فى تحسين الميزان التجارى وتقليل فاتورة استهلاك الطاقة.
ومن الفوائد المهمة للمشروع، على حد قول عبد الهادى، خفض تكلفة الكهرباء، حيث تعتبر طاقة الرياح من المصادر الرخيصة والمستدامة للطاقة، مما يعنى أنها تسهم فى تقليل تكاليف الإنتاج الكهربائى على المدى الطويل، وبالتالى تنخفض التكاليف على المستهلكين فى القطاعين الصناعى والمحلى، بالإضافة إلى ذلك، سيوفر المشروع فرص عمل جديدة، سواء فى مرحلة البناء أم التشغيل والصيانة، مما يساعد فى تقليل معدلات البطالة وتعزيز الاقتصاد المحلى، كما يساهم المشروع فى جذب الاستثمارات الأجنبية، حيث إن مشروعات الطاقة المتجددة تمثل بيئة جاذبة للمستثمرين، وهو ما يعتبر عاملًا مهمًا فى تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى مصر، كما أن مصر ستكون قادرة على تصدير الطاقة إلى الأسواق الدولية، خصوصا إلى أوروبا والدول المجاورة، مما يعزز العلاقات التجارية، ويوفر مصدرًا جديدًا للإيرادات.
مركز إقليمى
أصبح التحول إلى الطاقة المتجددة من أولويات مصر فى العقد الأخير، حيث تضع الحكومة المصرية خططًا طموح لتعزيز الإنتاج المحلى من الطاقة النظيفة، فإلى جانب مشروعات الرياح، تواصل مصر توسعها فى مشروعات الطاقة الشمسية، وتعد محطة بنبان للطاقة الشمسية فى أسوان واحدة من أكبر محطات الطاقة الشمسية فى العالم، وتعتبر هذه المشروعات جزءًا من الإستراتيجية الوطنية للحد من الانبعاثات الكربونية، وهى تسعى لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة تحترم البيئة، كما تمثل هذه المشروعات استجابة لمطالب المجتمع الدولى، خصوصا فى ظل القمة العالمية للمناخ، التى تسعى إلى تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة.
ومن خلال هذا المشروع، تسعى مصر إلى أن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة النظيفة فى قارة إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط، إذ تعتبر مصر واحدة من الدول المؤهلة لتكون رائدة فى مجال الطاقة المتجددة بفضل موقعها الجغرافى، بالإضافة إلى الرياح القوية التى تسود مناطق خليج السويس والزعفرانة، كما يعكس مشروع الرياح فى خليج السويس تطورًا كبيرًا فى قطاع الطاقة فى مصر، ويعزز من مكانة البلاد كداعم رئيسى للتحول إلى الطاقة المتجددة، ويؤكد هذا المشروع مرة أخرى، أن مصر تسير على الطريق الصحيح نحو تحقيق أهدافها فى مجال الطاقة المستدامة، وفى الوقت نفسه تسهم فى تعزيز جهود المجتمع الدولى لمكافحة التغيرات المناخية.